حنين المطر
الشاعر بركات معبد
.
.

فنجان من الدفء

فنجان من الدفء

 

الليلة باردة بعض الشيء
فكان عليها أن تعد فنجانا من الدفء
أو تخبئ قدميها بين مسامة المحصورة عند أطرافه
لن يزعجها أحد هذا المساء
فالهاتف الذي تنتظر أن يعبر بها المسافات
مرفوع مؤقتا من الخدمة بأمر المشترك
والوسادة مطهوة بقدر أنفاسها ليلة أمس
لم يعد غير دندنات جدتها تخترق جدران الغرفة
وبلا هوادة
تحثها على المضي نحو عالم طفولتها الباكية
ليلة واحدة لا تكفى لطهي العواطف
فنظراته التي تبلل المكان غير قادرة على ادارك دوافعها
حبات المطر التي استقرت على زجاج نافذتها
ترسم مع الضوء وجهه بلا ملامح
تحتاج الآن لدف أكثر شمولية من المدفأة التي تحترق
وأكثر وضوحا من تنهداتها  
حين تغفو مضطرة مع زجاجتها الفارغة
ليلة واحدة لم يقدًِر فيها المسافة لاختراق جسدها
كان محموما قدر استطاعتها
ففكك عظامه عند أول مقعد
خبأها تحت وسادته الباهتة قدر أول لقاء بها
الليل لم ينتصف بعد
برودة جسده تزداد رويدا لتنذر باغتراب مؤكد
وهى واقفة ترقب أبخرة أنفاسه المتصاعدة  
تصنع على بعد ابتسامة منها جدارا رطبا
فالحوار بارد كليلتها
دندنات جدتها بدت متقطعة وغير مفهومة
نظراتها المستقرة بسقف الغرفة شكلته مربعات صغيرة
لا تتسع  لخطوات طفلة تتعلم السير للمرة الأولى   
برودة جسدها أبسط من أن تعد لها كوبا من الدفء
أبسط من أن تشعل من أجلها ذكريات أول تجربة للحب
أبسط من أن تمارس من أجلها لعبة الموت للموت
واصلت تفكيك أنوثتها من جديد
محاولة اعتصار المسافات عبر بريدها الإلكتروني
خاطرة تلو أخرى
فالرجل المات البارحة عاود اختراق تفاصيلها المغلقة
المدفأة جاهزة لإعداد الشواء
وأوراق دفاترها القديمة عصرتها رطوبة المكان
رائحة الياسمين التي اعتادتها  
غير قادرة على رفع حصارها الفوضى
المسافات لم تعد دافعا لنهاية مؤلمة
البنايات لم تعد عائقا أمام ركوب السماء
كل ما هنالك
أن تُعوِّد جناحيها اختصار الأعداد إلى الصفر
فالخوف بذرة ضارة
ونبتها غير طيب لإعداد وجبة سريعة للحياة
الدفاتر المملوءة  بالحكايات القديمة لم تشبع رغبتها
فى انتهاك عادتهم البالية
لم تعد الجدة تمارس دندناتها الليلية التى تقتل لذتها
فى النوم على صوت " فيروز "
حنينها الذى ازداد بحجم ما لا تقدر من عواقب
لاحتساء فنجانا من القهوة
وهى تشاهد آخر نشرة للأرصاد الجوية
زلازل هنا وبراكين هناك
لم يشغلها غير حالة المطارات غدا
فالشتاء الذي تعيشه متقلب كعواطفها
لم تكن الرابحة الوحيدة من لقائها به
ولم يكن الخاسر الوحيد حين هزمته الأيام
كلاهما جندته الأقدار لمواصلة المسير
وحدها الأيام ستلقى بالجميع إلى متحف الثلج
إلا من بقى مشتعلا بأوردة الربيع
 كل الخرائط مطموسة المسارات
والطائرة مستعدة لإقلاع بعيد
" حنين "  مازالت تمارس خربشتها
على ظهر تذكرة سفر جوية
حين لا تداعب المطارات عابريها
وحين لا تكف الصقور عن مطاردة اليمام
فالسنة شتاء طويل
والثلج يكفن الأرض بمعطف غامض
الوقت غير كاف لاحتساء شيء سوى قهوتها السادة
أو فنجاجا من الدفء أعد خصيصا لمثل تلك الظروف
لم يعد هناك حافلة لنقل أمتعتها إلى مكان آمن
حقيبة يدها تملؤها خربشات ليلة أمس
وبعض الصور لهياكل عظمية متآكلة
بينما هو غارق
فى انتشال جثته التى تركها على زجاج النافذة
لم يكن قادرا على تحديد موعد البدء
أو اختصار المسافة بما يكفى لاختراق جسدها المبتل
لم يعد متسع لأنفاسه المتلاحقة أو دندنات جدتها المتقطعة
لم يعد متسع لأحلامها المهلهلة بفعل خصيانهم
فالكل متشرنقا بسوء الظن
منشغلا بجمع النفايات بحقيبة سفره الملوثة
عاجزا عن ممارسة الحياة مع رقصاتها الجنائزية
الكل يفضلونها غبية قدر استطاعتهم
وينتظرون أوراقها  الخريفية المتهالكة
تتساقط عند حد التسكع
أو حين تستسلم لقسوة أحلامها المنسية
كل ما عليها أن تتهيأ للرقص من جديد
تخلط دماءها بفحولتهم الفجة
أن تجمع بقايا طفولتها قبل مغادرة المكان
لتعتاد المكوث تحت رائحة الظل
كقديسة محاطة بالتعاويذ وأبخرة الدجل
فأنفاسهم الغضة لم تعد تطربها
ولم تعد الموسيقى أو زقزقة العصافير
                            قادرة على ملء وحدتها

                  بركات معبد

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.